المقريزي
355
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
واتّفق أنّه كان ممن جاور بمكّة الشيخ برهان الدّين إبراهيم الأبناسي « 1 » ، ونزل برباط ربيع ، فمرض في أثناء السّنة مرضا أشفى منه على الموت ، فبعث الشيخ بهاء الدّين السّبكي قاصدا من مكّة إلى القاهرة يسأل في وظائف الأبناسي أن تستقرّ باسمه ، وقد غلب على ظنّه أنه لا يعيش من هذا المرض ، ثم دخل عليه بعد ذلك بأيام يعوده فإذا به قد تناقص مرضه ، فتحادثا ساعة ، وكان تجاههما نعش قد جدّد عمله ليوضع في الرّباط لحمل من عساه يموت من سكّانه ، فنظر السّبكيّ إلى النّعش ثم قال للأبناسي : يا شيخ برهان الدّين ، أتدري ما يقول هذا النعش ؟ فقال له : ما ذا يقول ؟ فقال إنه يقول : انظر إليّ بعقلك * أنا المعدّ لمثلك أنا سرير المنايا * كم سار مثلي بمثلك ثم أخذ يحسّن للأبناسي أن يتوجّه وإيّاه إلى المدينة النبوية ، فاعتلّ بما به من المرض ، فما زال به حتى أذعن ، وخرجا من مكّة في رفقة على طريق الماشي ، ووصلا إلى المدينة النّبويّة ، ثم سارا منها عائدين إلى مكّة ركبانا فلما نزلا الجحفة « 2 » حمّ السّبكيّ فقدم مكّة وقد اشتدّ به مرضه ومات ، وعاد
--> ( 1 ) إبراهيم بن موسى الأبناسي ، فقيه ، ولد بأبناس وهي إحدى قرى الوجه البحري بمصر سنة 725 ه وتفقه بالقاهرة ، وسمع الحديث بها وبمكة والشام ، درس وأفتى بالأزهر ، عين قاضيا فأبى وتوارى . توفي سنة 802 ه ( الضوء اللامع 1 / 72 ) . ( 2 ) الجحفة : كانت قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة ، على أربع مراحل من مكة ( نحو 16 كم ) وهي ميقات أهل مصر والشام قصاد الحج إن لم يمروا على المدينة المنورة ، وكان اسمها مهيعة ، وإنما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام ، وبينها وبين المدينة ست مراحل ( معجم البلدان 2 / 111 ) .